تقرير بحث الشيخ محمد السند لسيد بحر العلوم

65

الإمامة الإلهية

القرآن الكريم يقرّر الحقيقة على خلاف ذلك ، حيث يعتبر الملائكة موحّدون مطيعون ، وأصبحوا بسجودهم في غاية القرب لله تعالى ; لامتثالهم وطوعانيتهم للأوامر الإلهيّة ، وفي الوقت ذاته حكم على إبليس بالكفر ، حيث عبّر عنه بأنّه كافر مستكبر مدحور ملعون مطرود عن ساحة الرحمة الإلهيّة . ولا يستقيم معنى كفر إبليس وتوحيد الملائكة في القرآن الكريم ، إلاّ على الضابطة التي ذكرناها ، وهي أنّ المدار في الطاعة والعبادة وتوحيد الله تعالى على وجود الأمر الإلهي ، فمع مخالفة الأمر الإلهي يتحقّق الكفر والشرك ، وإن كان مضمون المخالفة هو رفض الوسائط ، وذلك ما صنعه إبليس فأصبح مذؤوماً مدحوراً ، وأما الملائكة الذين انقادوا وخضعوا للأمر الإلهي ، فهم الموحّدون المطيعون ، ولو كان ذلك عن طريق الواسطة والسجود لآدم ( عليه السلام ) ، سواء فُسّر السجود بمعنى جعل آدم قبلة لهم ، أو بمعنى الاحترام والتعظيم والانقياد لآدم والخضوع له . إذن أصبح إبليس في غاية البعد من الله عزّ وجلّ واستحقّ الطرد من رحمة الله تعالى ; لاستكباره على طاعة الأمر الإلهي ; ولأنّه أراد أن يُحكّم إرادته وسلطانه على إرادة الباري تعالى وسلطانه ، كما جاء ذلك في الحديث القدسي ، قال إبليس : ( ربّ اعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ، فقال جلَّ جلاله : لا حاجة لي في عبادتك ، إنما عبادتي من حيث أريد لا من حيث تريد ) ( 1 ) ، وليس ذلك إلاّ لكون عبادته التي يزعمها مع رفضه السجود لوليّ الله وواسطته - تكبّراً وتجبّراً على الله عزّ وجلّ وتحكيماً لسلطانه

--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 1 ص 42 .